معرفة الذات و ممارسة الانتماء ( حالة الفلسطينيين في الداخل )

2008/12/03 at 23:47 تعليق واحد

بقلم : نيفين أبو رحمون 
تشكلت الهوية الفلسطينية الذاتية أساسا نتيجة صيرورة تاريخية مرت بها، هذه الهوية قامت على بلورتها وتمييزها وطنيا وثقافيا، نحن نتحدث اليوم عن هوية فلسطينية بكل ما تحمل هذه الهوية من تبعات : أدب وثقافة فلسطينيين، فلكلور فلسطيني، تاريخ فلسطيني والاهم شخصية فلسطينية .ما يهُمنا هنا هو دور الثقافة وعلاقتها بالهوية، فالهوية الثقافية هي كيان يتفاعل وينفعل ويتطور وليس معطى جاهزا ونهائيا نورثه للأجيال، فهو في حالة تطور مستمر أما نحو الانكماش أو الانتشار . كما أن الهوية تغتني بتجارب أهلها ومعاناتهم وانتصاراتهم وثقافتهم وأيضا باحتكاكها سلبا وإيجابا مع الهويات الثقافية الأخرى التي تدخل معها في تغاير من نوع ما . والهوية الثقافية هي هوية مكتسبة تتعلق بالوعي الوطني والعمق الثقافي . والاهم من كل ذلك أن الثقافي عامل أساسي وربما حاسم في تشكل الهوية، فهي التي تعطيها المعنى والصورة، هي التي تجعل جماعة ما متميزة أو مختلفة عن الجماعات الأخرى .
رغم أن عملية تشكل الهوية الفلسطينية مرت ضمن صيرورة تاريخية وثقافية كانت أساسها المدينة الفلسطينية، إلا أننا لا نستطيع أن ننفي دور ” الآخر ” في تشكل ” الأنا “، فعلاقتنا مع “الآخر” هو جزء من هويتنا الفلسطينية والثقافية . ربما هذا الأمر صحيح على مستوى كل الجماعات الإنسانية ولكنه حاسم في حالة المجتمع الفلسطيني . لا يمكن بالحقيقة الانفصال عن “الآخر” في دراسة الهوية الفلسطينية، فالآخر مقيم فينا، بل مقيم في قعر ” الأنا ” – سلبا وإيجابا . الهوية أصلا لا تقوم إلا من خلال علاقة مع الآخر، ومن خلاله . فالتشديد على “الأنا” يكون عادة كرد فعل على “الآخر”، من خلال “الآخر” ومن خلال التواتر العلائقي معه يتم إدراك الذات ومعنى الانتماء، فمفهوم الانتماء وثيق الصلة بمفهوم الهوية لانه تعبيره الواقعي وتجسيده العياني، فالهوية الوطنية الفلسطينية تشكلت بفعل صراعها مع الحركة الصهيونية، فهذا الصراع كان عاملا أساسيا في بناء الشخصية السياسية الفلسطينية وممارسة انتماءها، ولا يمكن أن نتصور الهوية الفلسطينية الحالية بدون علاقتها مع الآخر الصهيوني .
ليس للهوية مفهوم إجرائي، على غرار السؤال التقليدي ” كيف تعرف نفسك ” الذي عادة ما يوزع مع الاستمارات البحثية . بل أن الهوية الجماعية هي هوية وطنية لجماعة سياسية ما، أي القيم والالتزامات وطرق الحديث والسلوك الذي تشترك فيها جماعة سياسية واحدة، كما إنها توحد المجتمع أو الجماعة السياسية حول فهم ذاتي مشترك وتركز على إعادة إنتاج الجماعة وتواصل الأجيال. من السهولة أن نعرف ذواتنا كفلسطينيين على غرار ” كيف تعرف نفسك ؟ ” ولكن المهم أن نتصرف سياسيا ووطنيا كفلسطينيين . أن يكون إدراكنا فلسطينيا وممارستنا فلسطينية في نفس الوقت . في اعتقادي جيد أن الأقلية العربية ألان تقوم على إعادة بناء هويتها الجماعية وجيد أن يبني العرب هويتهم الجماعية، هذا يشير إلى التطور السليم الذي يمر فيه المجتمع العربي في الداخل، لان هناك حاجة ملحة لمعرفة الانتماء وممارسته في نفس الوقت . فالممارسة هي جزء من التعبير عن معرفة الذات وأي ممارسة لا تفعل ذلك يدل على خلل في معرفتنا لذواتنا مهما ادعينا عكس ذلك بذرائع براغماتية .
لم نكن نحن الأقلية الفلسطينية في الداخل بعيدين عن تأثرنا بالعوامل الخارجية في عملية الحفاظ على هويتنا على الأقل – وليس إعادة إنتاجها على ضوء التحولات بعد نكبة فلسطين-. ساهمت العوامل الخارجية مساهمة حاسمة في حفاظ العرب على هويتهم القومية في أبعادها الأولية مثل: اللغة، العادات، البنية الاجتماعية، السلوكيات اليومية وغيرها من الأمور. أي أن هذه العوامل الخارجية كان لها دور فعال اكبر من الديناميكا الداخلية للمجتمع العربي في كل ما يتعلق بعلاقة العرب من  ذواتهم وعلاقتهم من الدولة ومجمل قضية الهوية الوطنية .
يمكن الإشارة إلى عاملين خارجيين ساهما في حفاظ العرب على هويتهم، عامل الإقصاء وهو عامل إسرائيلي انطلق من تعريف الدولة لنفسها بأنها دولة يهودية، حيث أن الدولة أقصت العرب عن عملية تعريفها ولم تقبل بهم، أي أنها لم تقبلهم كجزء من عملية بناء هوية الدولة ورموزها حتى لو برموز يهودية، وليس صدفة أن تعتبر الدولة اللغة العربية لغة رسمية يتم تدريس الطلاب العرب من خلالها، تم ذلك ليس كاعتراف من الدولة بخصوصية العرب القومية والثقافية، بل بمحاولة للحفاظ على الحاجز والحدود بين المجتمعين اليهودي والعربي . والدليل أن التدريس باللغة العربية لم يكن اعترافا بالأقلية العربية كأقلية قومية، كون المضامين التعليمية كانت إسرائيلية ولكن بلغة عربية، يمكن القول أيضا أن جهاز الحكم العسكري كان إحدى آليات وضوابط التمايز بين المجتمعين لأنه رسم الحدود المادية بين اليهود والعرب، عاش العرب في “غيتو” الحكم العسكري محافظين على لغتهم وتراثهم من الاصطدام من الحداثة الإسرائيلية ليس كخيار ذاتي بل كفرض فوقي اقتضته الحاجة الأمنية الإسرائيلية آنذاك .
 في مثل هذه الحالات يمكن التمييز بين نوعين من التشكيلات الاجتماعية في فهم العلاقة بين الأغلبية والأقلية في أي مجتمع. ففي الحالة الأولى تكون الحدود الاجتماعية بين المجموعتين مرنة وغير واضحة مما يفتح المجال أمام إمكانية الحراك الاجتماعي بشكل فردي (Social Mobility). هنا يتخلص الفرد من الحالة السلبية الناجمة عن انتمائه لمجموعة الأقلية المضطهدة من خلال التخلي عن مجموعته الأصلية والالتحاق بالأغلبية ثم الانصهار فيها. أما في الحالة الثانية فتكون الحدود الاجتماعية بين المجموعتين واضحة ومغلقة مما يجعل إمكانية الانتقال من مجموعة إلى أخرى شبه مستحيل. هنا يكون العامل المركزي في الانتماء للمجموعة هو بمثابة صفة طبيعية مكتسبة مثل العنصر، النوع، أو الانتماء الاثني . ما حدث أن العامل الخارجي المتمثل هنا في العامل الإسرائيلي فرض على العرب النمط الثاني من العلاقة بين الأغلبية والأقلية. مع أن الأمر لم يخلو من عملية اندماج فردي فرضته المؤسسة بطبيعة الحال بما ينسجم مع مصالحها السياسية في تعاملها مع العرب.
أما العامل الخارجي الثاني الذي ساهم في حفاظ العرب على هويتهم فكان العامل العربي الخارجي والذي تمثل حينها في التيار الناصري الذي تحمس له العرب، يمثل هذا العامل عامل جذب للهوية العربية في الداخل
.
إن عامل الإقصاء الإسرائيلي
( exclusion ) وعامل الجذب العربي ( attract ) لعبا دورا هاما في حفاظ العرب على هويتهم الوطنية، أكثر من العوامل الداخلية. رغم ديناميكية هذين العاملين حتى ألان، إلا أننا لا نستطيع أن ننكر أن العرب طوروا أيضا إستراتيجية للبقاء، حافظت على هويتهم فيما بعد، خصوصا في سنوات السبعينات وما بعدها، أصبح يتشكل عندنا وعي أن معرفة الذات هي أول خطوة نحو بناء إستراتيجية  مستقبلية للعرب .
إن معرفة الانتماء وممارسته يجمع حوله الوطنيون من أبناء هذا المجتمع، وهذا الاجتماع يفرض عليهم بناء برنامج سياسي حول مستقبل العرب، ولكنه يبدأ من معرفة الذات، لا يمكن أن نحدد برنامجنا السياسي دون أن نعرف من نحن، وماذا نريد، هذا طبعا من أبجديات العمل والتفكير ولا حاجة لاجتراره مرة أخرى
.
ما أريد أن أتوصل له من خلال هذه المقالة هو أهمية تطوير آليات داخلية لهويتنا الفلسطينية والوطنية من خلال عاملين أراهما حاسمين لذلك، العامل الأول: اسميه الوعي الثقافي بمفهومه الشامل كجزء من الهوية الوطنية، والعامل الثاني: تطوير المقاومة الثقافية كعنصر من عناصر الهوية الجماعية والذاتية .وتنبع أهمية العامل الثاني – أي المقاومة الثقافية – ليس في الحفاظ على العناصر الثقافية بحد ذاتها، وإنما بسبب كون هذه العناصر جزءا من الهوية، أي جزءا من صورة الذات وأي تشويه فيها يلحق الأذى بهذه الهوية
.
ويهدف العامل الأول -أي الوعي الثقافي- إلى خلق انطباع إيجابي عن الذات، حيث أن تبلور الهوية يجب أن يكون مقرونا بفكرة إيجابية عن الذات . ومضمون هذه الفكرة الإيجابية هو وعي القضية الفلسطينية والتاريخ الفلسطيني والأدب الفلسطيني وكل شي فلسطيني، يمكن أن يعمق من وعينا الثقافي . يجب أن ندرك أن الأفراد الذين يتمتعون بتقدير ذاتي جماعي إيجابي يميلون أكثر من غيرهم إلى المشاركة في النشاطات السياسية الاجتماعية بهدف تعزيز مكانة جماعتهم ونيل حقوقها الجماعية، وهذه العلاقة الجدلية بين التقدير الذاتي الجماعي وبين النشاط لخدمة مصالح المجموعة تشكل حجر الزاوية لنهوض واستمرارية الكثير من الحركات السياسية والمجتمعات الضعيفة
.

Advertisements

Entry filed under: 1.مقالات نيفين أبو رحمون. Tags: , , , , , .

دولة إسرائيل – توجهات مختلفة مبنى الأمتحان ومادة المدنيات المقترحة لوحدة واحدة في المسار التعليمي 11-12 للمراكز العربية

تعليق واحد Add your own

  • 1. master of damage  |  2009/05/07 عند 23:47

    مشكوره معلمتي على المعلومات الرائعه …بارك الله بكي

    تحياتي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

Trackback this post  |  Subscribe to the comments via RSS Feed


أخبــارنا من تويتـــــر

انضموا إلينا وتابعونا في تويتر

أدخل ايميلك واستقبل كل جديد

أرشيف أوراق مدنيات

العالم في أوراق

free counters


%d مدونون معجبون بهذه: